حجاج سلامة يكتب : الندابات .. جزء من الحياة الفلكلورية الحزينة فى صعيد مصر

إذا كان هناك إجماع على أن شعب مصر عموما محبا للفكاهة مغرقا في التنكيت فانه من المؤكد أيضا أن الشعب المصري عموما والصعايدة خصوصا بجانب حبهم للفكاهة كانوا وما زالوا محبين أيضا للحزن والشجن .
ولا غرابة في أن يصدر ذلك من شعب عاش في المائة سنة السالفة في شظف من العيش فراح يواسى جراحة ببكائيات على موت عزيز وانتهزها مناسبة ليبث شكواه وآلامه حتى أن البكائيات قد أفرد لها الباحث و الكاتب المصري محمد عبده الحجاجى رحمة الله فصلا كاملا فى كتابة ” الأقصر في العصر الاسلامى ” وكذلك أثارت العالم الاثرى” باديس دافين ” أو” إدريس افندى” كما أطلق عليه أهالى الأقصر قبل ذلك بأكثر من قرن من الزمان وتشير احد هذه البكائيات وهى مخطوط قديم نصها يثير الشجون بالإضافة للحنه الموسيقى بالفطرة ينتزع الدموع من النساء انتزاعا
والبكائيات والندابات موروث شعبي مصري يرجع تاريخه لعهود الفراعنة ففي مقبرة ” راموزا ” ترى صورة لم تتغير طوال أكثر من أربعة ألاف عام رأيناها فى الأقصر فى بعض الجنازات وكأنها مأخوذة اليوم ومما يؤكد أنها كانت منتشرة بالأقصر أكثر من سائر أقاليم مصر انه يوم وفاة عبد الناصر والحزن مسيطرا على كل أبناء شعب مصر ضربت الندابات بالأقصر بالدف فى هذه المناسبة وتعجب لها كل غريب عن هذا البلد فى هذا اليوم كيف يضرب بالدف فى الجنازة إن العادة أن يستخدم الدف فى الفرح .
ولكن هناك صور للمصريين القدماء الذين استخدموا الدف فى الجنازة فهى بجانب أنها موروث فرعونى فهى فرصة للبكاء بصوت مسموع على جراح من القهر والظلم لا يستطعن أن يبكينها فى حينها مثل سفر الابن للجندية أو للسخرة أو العونة كما أسموها فى بعض مراحل تاريخنا الطويل فهى هموم أثقل من معبد الأقصر وأعلى من جبل القرنة والبكائيات يمكن أن تعتبر من الفلكلور الشعبى لمدينة الاقصر
ولما كانت المسيحية في الأقصر سابقة للإسلام فى وراثة المصريين القدماء فقد سجل علماء الحملة الفرنسية على مصر ( 1798 – 1801 ) أن الأقباط يبالغون فى إظهار الحزن أكثر من المسلمين بل لقد لاحظ الفرنسيون وربطوا بين دفن افخر ثياب المتوفى مع الميت وما يفعله قدماء المصريين من دفن كل فاخر الأثاث والثياب والمتاع مع الميت .
ومع دخول الإسلام والتأثر بالعادات والتقاليد القديمة أصبح المرء لا يفرق بينهما فى جنائزهم وأحزانهم .
وقد شوهدت بعض الجنازات بالأقصر حين تسدل النساء شعورهن على الأكتاف وهن حافيات الأقدام مشيعين المتوفى ويمسكن ببعض العصا مرددات (بو . بو) وهى كلمة ذكرها ألان جاردنز فى كتابهEgyptian garammaer أنها كلمة فرعونية معناها يا بؤسى ويا شقائى وشوهدت المشيعات بعضهن بالعصى وأخريات بالدف يضربن تقودهم الندابة ومن وراءها النسوة يرددن فى إيقاعات رتيبة بكائياتهن .
وقد سجل أيضا ابن الاقصر فى العصر المملوكى عبد الغفار بن نوح فى كتابة ” الوحيد فى سلوك أهل التوحيد ” هذه البكائيات وتفاصيل الجنازة فى الجزء الأول من مخطوط يقول
” ومن عادة النساء فى الاقصر أن يجعلن ستارة فى الطريق عند بيت الميت ويحجبن من هنا ومن هناك ” اى يقطعن جزء من الشارع أو الحارة ” لتفسح لهن الشارع ويعرض على ميتهن فى الشارع من خارج المنزل فإذا كان وقت المغرب دخلن بيتوهن ” .
وكذلك استرعت الباكيات بالأقصر “ماسبيرو” عالم الآثار الشهير حينما كان يعمل اثريا بالأقصر وسجلها فى القرن التاسع عشر الميلادى ومن هذه البكائيات واحدة تقول
((مال المصلى اليوم ماصلى بريقه انكسر والا استخار الله))
وأخرى تقول (( داركم واسعة وبابها كويس يا ميت ندامة صيحت بلا ريس))
وعند البكاء على الغريب الذى مات بأرض غير موطنه تقول (( يا شيخ البلد يا صاحب الخيمة طلع حريمك بدوا للغريب ليلة))
على أن العظيم ” باديس دافين ” الذى عاش بالأقصر وشارك أبنائها أحزانهم كان شاهدا على هذه البكائيات ولم يسجلها كل من تعرض إلى الكتابة عن الجنازة والبكائيات على كثرتهم وقد نقلناها عن كتاب د. أنور لوقا وتقول بعض كلماتها ((الخيل يا خيالة والعد يا ورادة واله سميع ومانع ما جابتو والدة)) و(( ياخاتمتوا قاعدة على كرسيها مستنيا سيدها يقطع فتاويها))
ومن أشهر البكائيات التى تناقلتها نساء الأقصر
((قالوا لنا حاكم البلد عزلوه هدوا وطاقة وعسكره نزلوا
قالوا لنا حاكم البلد رحلوا هدوا وطاقة وعسكروا نزلوا
ريت المصلى ما يصلى اليوم همل صلاته واتكى للنوم
ريت المصلى ما يصلى أبدا همل صلاته واتكى رقده
يا قهوجى فاتش عليك عايق عوده مخيش يشرب على الرايق
يا قهوجى فاتش عليك شلبى عوده مخيش والبلا دهبى)) 

اطبع الخبر
نرحب بتعليقاتكم

يمكن زيارة

أعلان التفاصيل النهائية لماراثون الشيخ زايد فى مؤتمر صحفى عالمى بمعبد الكرنك

أعلان التفاصيل النهائية لماراثون الشيخ زايد فى مؤتمر صحفى عالمى بمعبد الكرنك كتبت  – منى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *