الثأر ظاهرة تأبى الرحيل : دماء الصعايدة فى رقبة تجار السلاح

تحقيق يكتبه – حجاج سلامة :

الثأر ظاهرة تأبى أن تختفى من محافظات الصعيد، بل من المجتمع المصرى بأكمله، حيث تتسبب فى مقتل العشرات واصابة المئات وتشريد آلاف الأسر، فضلا عن كونها تقف حائلا أمام التنمية بشتى أنواعها لتبقى ظاهرة موجعة، فدائما ما يعكر صوت الرصاص الذى يشق سكون الليل صفو الحياة، علاوة على انتشار النواح والعويل فى أرجاء المكان الذى يقلق منام الأهالى.
تقول خديجة فيصل مهدي، باحثة: هناك عوامل كثيرة تتسبب فى بقاء تلك العادة ومن أهم هذه العوامل الفقر والجهل وغياب دور الدولة، وهذه العوامل الثلاثة هى الأرض الخصبة لنمو تلك العادة، فلقد عاش اهالى الصعيد سنين طويلة فى فقر وجهل ونسيان من الدولة حتى تأصلت فيهم العادات السيئة، وأصبحت مؤثرًا اجتماعيًا له قواعده وطرقه وقوانينه العرفية لدى الكثير منهم.
وتابعت: الثأر معناه المطالبة بدم القتيل والطلب بثأره، فهو عادة اجتماعية سلبية تهدر القانون وتنافى قيم التحضر والإنسانية، حيث يرى الكثيرون خطأ بأن الثأر هو الوجه الآخر لهيبة العائلة وكرامتها داخل مجتمعها، فضلا عن أن العائلة بجميع أفرادها مسئولة عن الأخذ بالثأر والتورط فى الدم.
ولفتت الباحثة إلى أنه من الممكن أن تشتعل معارك الثأر نتيجة علاقة بين شاب وفتاة من عائلتين لا تنال رضى الكبار فتؤدى إلى معارك دموية انتقاماً لشرف العائلة، الذى يكون لم يمس غالبا، ناهيك عن تطور بعض الخلافات العادية، فعلى سبيل المثال أسبقية رى الأراضى الزراعية، أو المرور بين سيارتين، أو شجار بين أطفال القرية، أو الخلافات العادية بين الجيران، فضلا عن أن العائلات التى بينها نسب أو علاقات مصاهرة تكون من أكثر الحالات المعرضة لحوادث الثأر.
وأضافت: أحيانًا أخرى تؤدى حوادث القتل الخطأ إلى ثأر عائلى فمثلا حينما يصدم شخص بسيارته أحد أفراد عائلة أخرى، سريعا ما يتحول إلى ثأر رغم كونه قضاء وقدرًا لا تعمد فيه، أو إطلاق نيران فى زفاف للاحتفال ويقتل واحدا فيتحول إلى ثأر، علاوة على وجود شخص من عائلة ثالثة ويقتل بالخطأ فى ثأر ليس له ذنب فيه من بعيد أو قريب فحينها تنضم العائلة الثالثة للثأر.
ونوهت فيصل إلى أن الثأر يمثل هماً أمنياً مخيفاً لدى كل فرد من أفراد المجتمع وهاجس قلق للدولة، فالمواطنون يعيشون فى حالة ذعر وخوف وعدم استقرار دائمين نتيجة جرائم القتل غير المشروعة التى يتوارثها الأبناء عن آبائهم جيلاً بعد جيل، كما أدت إلى انقطاع الناس عن أعمالهم والأطفال عن مدارسهم، إلى جانب ضياع اسر بأكملها نتيجة هروب رب العائلة أو اختفائه ما يترتب عليه عدم تربية الأبناء.
وأشارت الباحثة إلى وجود مجموعة من التقاليد الراسخة والمتعلقة فى الصعيد وهى ما تسمى بالقودة وتعنى أن القاتل قد اقتيد لأهل القتيل ليفعلوا به ما شاءوا، مشيرة إلى أن طقوس القودة فى معظم قرى الصعيد متشابهة.
وأوضح العمدة غلاب محمد، رئيس احدى لجان المصالحات بالصعيد، أنه على الرغم تشابه القودة إلا أنها اختلفت فى مصر منذ الثمانينيات، حيث يقول إن القودة تعنى الحياة وهى التى تأخذ شكل الأمل والاستمرار فى الرضوخ لإحكام من يقبل الصلح، وهى هيئة الموت المتعمد الواضح، موضحا أن هناك الجودة فى نفس الموضوع والتى تتمثل فى تعطيش الجيم وهى طريقة الموت الخطأ حين لا يستدل على القاتل الحقيقى فى مشاجرة، حينها تلتزم العائلة المعتدية بأن تقدم شخصا يرتضى أن يحمل «الجودة» ويسمى الحامل للكفن جودة لأنه أجاد بنفسه لردم الدم بين العائلتين.
وأضاف: الطريقة الحالية تسمى المدرسة الرابعة للقودة، حيث كانت المدرسة الأولى تسمى «العبابدة»، والتى كانت تجبر القاتل على «حمل القودة عاريا ـ ملفوفا بالكفن ـ حافى القدمين ـ محلق الرأس ـ مجرورا من رقبته ـ سيره مسافة 3 كيلو مترات على الأقدام ـ التخلى عن قبيلته والانضمام لقبيلة القتيل»، ووصل الأمر إلى إجباره على الزواج منهم ويعطونه ما يتعايش منه ويصبح هذا الشخص ملكهم.
وتابع: أما المدرسة الثانية هى «إقليم أدفو» بأسوان، والتى كانت تجبر القاتل على «ارتداء الجلباب الأسود القصير ـ حافى القدمين ـ  حليق الرأس ـ مجرور الرقبة»، وهى التى خلت من إجبار القاتل على الزواج منهم، لكون القبائل لا تسمح لبناتها بالزواج من غريب، ولكنها شملت إقامة القاتل عند أهل القتيل.
وأشار غلاب إلى أن المدرسة الثالثة كانت «الأسرة الدندراوية» وهى التى تُجبر القاتل على أن يقدم القودة وهو «مرتدى الجلباب الأسود المقلوب ـ مجرورا من رقبته ـ حافى القدمين»، وهذه المدرسة تقوم باعدال الجلباب الأسود للقاتل حين يقف أمام أهل القتيل.
ولفت رئيس احدى لجان المصالحات بالصعيد إلى أن قرية «الحجيرات» تقع على بعد 16 كم من مدينة قنا، لا يعرف أهلها معنى الأمن والسلام ولا يسمع أطفالها سوى أصوات البارود وعويــــل النساء فهى فى حــالــة حـــرب مستمــــرة بلا هدنــة بين نجوعــــــها، وتشتهر بقرية «النار والدم» بسبب دموية الأحداث التى تشهدها بصفة متكررة.
ونوه غلاب إلى أن الطبيعة الجبلية للقرية قد تكون ساهمت فى انتشار جرائم القتل، حيث أتخذ الخارجون عن القانون والهاربين من تنفيذ الأحكام القضائية من الجبال مأو لهم، مستنكرا من أن معظم النساء تحولن إلى أرامل، والأطفال أيتام، وبلغت نسبة الأرامل نتيجة حوادث الثأر ما يقرب من 90% من بين المتزوجات.
يذكر أن قرية الحجيرات» شهدت العديد من جرائم الثأر والتى ذهب ضحية كل حادث ما بين شخص أو اثنين، فضلا عن القرية سجلت فى ثلاثة أعوام أكثر من 300 جريمة متنوعة كان من بينها عشرات جرائم القتل والشروع فيه، علاوة على أن «نجع المعلا» الذى يصعب الدخول إليه من بعد أذان العصر من أكثر النجوع دموية، وهو النجع الذى شهد المذبحة الأخيرة التى راح ضحيتها 7 أشخاص وأدت إلى إصابة 4 آخرين.
وتلفت دعاء مهران، باحثة، إلى أن الدولة لخطورة الموقف بدأت تنتبه مؤخرا إلى انتشار ظاهرة الثأر السيئة بعد سريانها كـسربان النار فى الهشيم، لافتة إلى أن القضاء على تلك الكارثة واقتلاعها من جذورها يأتى بالأمر الهين ومحاربة الفقر والجهل.
وبصدد معالجة ظاهرة الثأر أرجع قديما الدكتور أحمد المجدوب، الرئيس السابق لوحدة البحوث الاجتماعية بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، عادة الثأر إلى الجذور القبلية التى دخلت مصر من الجزيرة العربية مع الفتح الاسلامى لمصر، ولكن عادة الثأر اختفت من معظم أقاليم مصر مع الاتصال الحضارى بالمجتمعات الأخرى، منوها إلى أن تلك الظاهرة ظلت مستقرة فى محافظتين رئيسيتين هما قنا وسوهاج لعزلتهما جغرافيا.
الروائى محمد صفاء عامر الذى تناول فى العديد من مسلسلاته التليفزيونية قضايا وعادات الصعيد، كان له رأى واضح فى ظاهرة الثأر تمثلت فى قوله: «أحاول تجنب إثارة عمليات الثأر فى المسلسلات بقدر الإمكان اعتقادا منى بأنها فى طريقها إلى الزوال والاختفاء من المجتمع المصرى الصعيدي، وإن ظلت على نطاق محدود للغاية فى بعض محافظات الصعيد، خاصة «أسيوط ـ سوهاج ـ قنا».
وأضاف: إن عودة ظاهرة الثأر تتطلب أن يخضع المجتمع لدراسة معمقة من علماء الاجتماع والانثروبولوجى، حتى لا تتفشى هذه الظاهرة وتصبح سلوكا معتادا لدى الإنسان المصري، خاصة بعد تفشى الإحساس بالسخط العام وتحدى الحكومة وعدم احترام القانون واختفاء العادات والتقاليد التى كانت تحكم الحياة الاجتماعية فى مصر فى وقت سادت فيه الفوضى بين فئات المجتمع المختلفة، فضلا عن المجتمع المصرى معروف عنه المسالمة والطيبة، وظاهرة العنف غريب عليه.
وقال  اللواء  محمد كمال جلال، مدير أمن قنا السابق: إنه  سعى طوال فترة عمله كمدير لأمن قنا إلى تحقيق الأمن والعمل على تحقيق المحصلات الثأرية لضمان الأمن والأمان لكل فرد ليتسنى مع الطفرة الحضارية التى أحدثت فى قنا خلال الفترة الأخيرة، مؤكدا أن لحظات الصلح هى لحظات إيمانية تحوطها رعاية الله والمودة والتسامح تلك القيم التى تنادى بها جميع الشرائع السماوية.
ويشير العميد خالد الخطارى، وكيل إدارة البحث الجنائى بقنا، إلى انه  يوجد 80 خصومة ثأرية على مستوى المحافظة، منها 18 خصومة بمركز ومدينة ابوتشت، و11 خصومة بنجع حمادي، و13 بمركز قوص، و9 خصومات بمدينة قنا ، و8 خصومات بمركز دشنا، و7 بمركز نقادة، و4 آخرين بفرشوط، و2 بمركز الوقف، وخصومة واحدة بدندرة، وتم عقد 5 مصالحات فقط.
وقال اللواء عبد الحميد الهجان، محافظ قنا، إن  الثأر ظاهرة سلبية وبحاجة إلى تضافر جهود الجميع، منوها إلى مواصلة بذل تلك الجهود التى حققت ثمارها ونتائجها الايجابية فى مجالات البناء والتنمية وترسيخ الأمن والطمأنينة ونشر الوعى والثقافة، لافتا إلى أنه قاد ثورة على النزاعات الثأرية، والسعى الدءوب فى إيجاد الحلول لها بمساعدة «رجال الأمن ـ لجان المصالحات ـ رجال الخير والبر» بالمحافظة والبعد عن المعارك الجانبية.
ويشير الدكتور عباس منصور، رئيس جامعة جنوب الوادي، إلى أن الجامعة لها دور كبير فى الارتقاء بالسلوكيات التى تحس على التباعد عن العنف والجريمة، علاوة على أنها نظمت أكبر قافلة طبية وبيطرية لقرية «الحجيرات» منذ أكثر من 20 عاما، والتى ضمت 25 أستاذًا جامعيًا فى جميع التخصصات الطبية والبيطرية، ووقعت الكشف على 650 حالة مع صرف العلاج المجانى وتحويل 120 حالة منهم إلى المستشفى الجامعى بقنا.
وتابع: أما القافلة البيطرية قامت بفحص وعلاج 500 رأس ماشية بالقرية بواسطة نخبة من أعضاء هيئة التدريس بكلية الطب البيطرى بالمحافظة، مشيرا الى أن الجامعة تعمل منذ فترة طويلة ضد الثأر محاولة  اجتثاثه من أوساط مجتمعنا القبلى ساعية دائما لتقديم حلول جديدة وكفيلة للحد من الظاهرة السلبية من خلال الجهود التثقيفية والتوعية المستمرة عن طريق المؤتمرات والندوات المتواصلة.
بينما كان للدكتور قرشى عباس دندراوى، أستاذ النقد الأدبي، رأى آخر، حيث دعا لاحترام عادة الثأر التى تحقق القصاص وليس الثأر الذى ينشر الفوضى ويتحدى التطور والتنمية.
فيما قال محمد حسن العجل، أحد الناشطين فى مجال المصالحات الثأرية بصعيد مصر، إن الثأر ظاهرة سلبية موروثة بل ثقافة اجتماعية لا يتنازل عنها العديد من العائلات، فمعالجة الثأر ليس فى العلم أو الدين فقط بل فى ثقافة التسامح.
وتصف أسماء كمال، أخصائية اجتماعية، قضايا الثأر بأنها بالغة التعقيد من حيث طبيعتها ومضاعفاتها وأسباب حدوثها، لذلك فإن معالجتها والقضاء عليها يحتاجان إلى الكثير من الوقت والجهد والإمكانات، فضلا عن تعاون جميع شرائح المجتمع بما فى ذلك منظمات المجتمع المدنى لمحاربة تلك الظاهرة السلبية باعتبار أنها تهدد بشدة الأمان الاجتماعي.
من جانبه شدد مصدر أمنى، فضل عدم ذكر اسمه، على أنه لابد من القضاء أولا على تجارة السلاح، معللا ذلك بأنه بمجرد القضاء على تجارة السلاح وإنهائها من الشارع ستنحصر تلك الظاهرة وتبدأ فى الزوال، مشددا على وجود امنى مكثف لسرعة القضاء على أى خلاف ينشب بين العائلات، حتى لا تتطور الأمور إلى القتل.
وأشاد المصدر بدور لجان المصالحات التى قامت بالعديد من المصالحات فى أنحاء المحافظات، موضحا أن لجان المصالحات تتكون من كبار القبائل فى كل محافظة «العمد ـ المشايخ ـ قضاة ـ رجال شرطة»، وتقوم هذه اللجان بالإشراف على عملية «القودة»، مشيرا إلى أن اغلب المصالحات تنجح بنسبة كبيرة، وهناك حالات تفشل فيها المصالحة بسبب تجاهل اللجان للمرأة.
وتابعت الدكتورة منى الشحات، أستاذ النقد الأدبى بكلية الآداب بقنا: إن المرأة لها دور كبير فى بقاء هذه العادة وفشل المصالحات، لاعتبارها الحطب الذى يشعل نيران الثأر، لأنها أكثر المتضررين فى حالة القتل، منوها إلى أن المرأة فى الصعيد تدور فى فلك ثلاثة رجال «الأب ـ الأخ ـ الزوج»، وحينما تفقد أحدهم تكون ثكلى فتتحول إلى وحش كاسر يأكل اليابس والأخضر، فكان لزاما على الجميع وضع المرأة فى الحسبان وأكثر بكثير، فدورها لا يقل أهمية عن دور الرجل بل يزيده فى بعض الأحيان، فالأم هى التى تربى هذا الرجل وفى يدها أن تجعله يأخذ الثأر من عدمه!!.
ويفسر الدكتور السيد عوض، أستاذ علم الاجتماع ظاهرة العنف والثأر بقوله بإن مواجهة الثأر تتطلب أن يكون هناك دور لرجال الدين فى إقناع الأهالى بأن القصاص يجب أن يتم من خلال السلطة والمسئولين، وأن تنفيذه بأيديهم مخالفا للشرع، كما يجب أن تضع وزارة التربية والتعليم مناهج تعليمية بدءا من مرحلة الحضانة ـ تتضمن كيفية غرس ثقافة الحوار والمناقشة ورفض أساليب الاستعلاء والكبرياء والتسلط من ناحية، وتعلم وتثقيف الشباب حول مخاطر الإجرام بشكل عام وجرائم الثأر بشكل خاص من ناحية أخري، فضلا عن التركيز على تعليم المرأة حيث إن تعليمها بمثابة تعليم أسرة بل جيل بالكامل، وخاصة أن المرأة فى حالة أميتها تلعب دورا كبيرا فى إثارة حمية الرجال فى الإسراع بالأخذ بالثأر‏.‏
وفى الختام يرى اسامة أحمد عبدالغنى، أحد الناشطين فى مجال المصالحات القبلية ، بمحافظة الأقصر، بأنه لابد من التصدى لهذه الظاهرة التى قد تؤدى إلى انهيار شديد فى المجتمع، مشدداً على أنه لابد من تتضافر جميع الجهود المخلصة من الحكومة والجامعات المختلفة للقضاء على تلك الآفة وأسباب انتشارها، علاوة على الاهتمام الجاد بالتعليم، وخلق فرص عمل وتنمية المجتمعات المحلية وتطوير الخطاب الدينى بشكل فعال، فضلا عن مشاركة الإعلام مشاركة فعالة فى القضاء على ظاهرة الثأر.

اطبع الخبر
نرحب بتعليقاتكم

يمكن زيارة

أعلان التفاصيل النهائية لماراثون الشيخ زايد فى مؤتمر صحفى عالمى بمعبد الكرنك

أعلان التفاصيل النهائية لماراثون الشيخ زايد فى مؤتمر صحفى عالمى بمعبد الكرنك كتبت  – منى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *